التفكير بسرعة وبطء في الطب: الأساس المعرفي للأخطاء وأدوات الوقاية منها

by Joyce A. Wahr, MD, FAHA

يونيو 1, 2025

التفكير بسرعة وبطءعند إجراء الاستبيان، أقرّ ما يقرب من جميع أطباء التخدير (85%) بارتكابهم خطأً دوائيًا واحدًا على الأقل.1 ومن الواضح أن الغالبية العظمى من هذه الأخطاء ليست ذات آثار ضئيلة، إلا أن بعضها مثل آخر موجة من حوادث تبديل أمبولات حمض الترانيكساميك (TXA) ببوبيفاكين، يمكن أن تكون قاتلة.2 وفي كثير من الأحيان، يكون الفارق بين الأخطاء “ذات الآثار الضئيلة” والأخطاء “القاتلة” مجرد مسألة حظ بحت – مثل استبدال المحقنة بين الفيكورونيوم والنيوستيغمين (وهي عملية استبدال محاقن شائعة نسبيًا) بدلاً من الفينكريستين والميثوتركسات، أو الهيبارين بتركيز 10,000 وحدة/مل بالهيبارين الخاص بالغسل.3 وعندما يحدث مثل هذا التبديل للمحقنة ويصاب المريض بأذى، فإن المراجعين وحتى الطبيب المعني غالبًا ما يشعرون بالحيرة حول كيفية وقوع مثل هذا الخطأ. يكمن الهدف من هذا المقال في مناقشة بعض العمليات المعرفية المعروفة التي يمكن أن تؤدي إلى مثل هذا الخطأ.

تفكير النظام 1 مقابل النظام 2

علم الإدراك -أي دراسة كيفية تفكير الإنسان- موجود منذ زمن طويل. وقد أشار James Reason سابقًا إلى أن الإنسان يفكر ويتصرف بوعي ودون وعي وأن هذه الأنماط من التفكير مرتبطة بأخطاء محددة،4 لكن الفهم الأعمق نتج عن عمل Amos Twersky وDaniel Kahneman خلال تعاونهما الذي امتد نحو 15 عامًا بدءًا من عام 1970.5 وقد نال Kahneman عن هذا العمل في مجال ما يسميه “العقلانية المحدودة” جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2002، وهي جائزة كان سيتشاركها مع Twersky لو لم يتوفَّ الأخير في سن مبكرة.6 في كتابه الموجز، التفكير، بسرعة وبطء (Thinking, Fast and Slow)، يخوض Kahneman بعمق في ما يسميه تفكير النظام 1 والنظام 2.5 النظام 1 هو العملية السريعة للغاية، اللاواعية، السهلة والتلقائية التي يدرك بها البشر العالم المتغير باستمرار من حولهم، ويُدخلون هذه التصورات في نماذج عقلية، ثم يحددون، مرة أخرى بلا وعي ومن دون جهد، كيفية التصرف. فعلى سبيل المثال، عندما تقود سيارتك عائدًا إلى المنزل من العمل، أنت لا تدرك أن نظامك 1 قد تعرف على محطة الوقود على اليسار وقرر أنه يتعين عليك الانعطاف إلى اليمين لمواصلة الطريق إلى المنزل.

يقدم النظام 1 بسرعة ومن دون عناء الإجابة عن 2 + 2 أو 2 ‏× 2 (بسبب وجود نموذج ذهني سابق)، لكنه لا يستطيع تقديم الإجابة عن 27 ‏× 14 (إذ لا يوجد نموذج ذهني سابق). لحل هذه المسألة الحسابية، يُستدعى النظام 2: وهي عملية مجهدة وبطيئة ومتعمدة وواعية تعمل وفق مبادئ الضرب للتوصل إلى الإجابة. يتنقل البشر بين هذين النظامين من التفكير طوال اليوم، ويفضلون دائمًا أن يكون النظام 1 هو الذي يدرك ويتصرف، لكنهم يلجؤون إلى النظام 2 عندما لا يكون لدى النظام 1 نموذج ذهني يناسب الوضع الحالي. نحن نعمل باستمرار على إنشاء نماذج ذهنية جديدة للنظام 1، وذلك في كل مرة نختار هواية جديدة أو نتعلم مهارة جديدة (على سبيل المثال، تركيب قسطرة شريانية) نبدأ بعملية النظام 2 التي تحدد الخطوات بعناية. مع التكرار، تنتقل هذه المهارة إلى ما يسميه James Reason “المخطط”، وهو بناء ذهني لتسلسل المهام التي يجب القيام بها لتحقيق هدف ما.

كيف يؤدي تفكير النظام 1 إلى الخطأ

يفضل البشر بشدة العمل في النظام 1 -من دون جهد، وبلا وعي، وبشكل تلقائي- وهذا التفضيل يؤدي إلى الأخطاء. يتطلب تقييم عرض غير عادي باستخدام النظام 2 بذل جهد؛ وبما أن البشر يتجنبون بذل الجهد، يتم اختيار النموذج العقلي اللاواعي الذي يتبادر إلى الذهن بسرعة. قد يتم تجاهل أو استبعاد خصائص الوضع الحالي التي لا تتناسب مع النموذج العقلي المختار. ويمكن للنظام 1 أن يتغلب على النظام 2 دون وعي. وقد كان إدراك حقيقة أن البشر يتخذون قراراتٍ خاطئة حتى في ظل معرفتهم بالحقائق هو ما دفع Kahneman وTwersky إلى البدء في أبحاثهما. ومن أشهر الأمثلة على ذلك المسألة التالية:

  • سعر الكرة والمضرب معًا 1,10 دولار
  • سعر المضرب أعلى من سعر الكرة بدولار واحد
  • كم يبلغ سعر الكرة؟

الإجابة التي تتبادر إلى الذهن على الفور ومن دون عناء هي أن سعر الكرة 10 سنتات، رغم أن عملية حسابية بسيطة للغاية يمكنها إثبات أن سعر الكرة 5 سنتات. حتى عندما يتمكن النظام 2 من إجراء العمليات الحسابية بسهولة ووعي، يختار النظام 1 الإجابة الأسهل و”الأكثر إتاحة”. ومثال آخر على تغلّب النظام 1 على النظام 2 يظهر في الشكلين 1أ و1ب. فعندما تُغطي الشكل 1أ، يتضح أن الخطين الأفقيين متساويان في الطول، لكن عندما تُغطي الشكل 1ب، لا يستطيع النظام 1 ببساطة أن يتقبل أن الخطين متساويان في الطول.

الشكل 1أ وب: ما الخط الأفقي الأطول؟ مثال على تغلّب النظام 1 على النظام 2 في التفكير.

الشكل 1أ وب: ما الخط الأفقي الأطول؟ مثال على تغلّب النظام 1 على النظام 2 في التفكير.

هذان المفهومان ليسا سوى الفصلين الأولين من كتاب Thinking, Fast and Slow؛ هناك العديد من المواقف الأخرى التي يقوّض فيها النظام 1، دون وعي، نظامنا العقلاني 2. تكثر التحيزات المعرفية في النظام 1 وتضللنا بشكل متكرر.6 ومع ذلك، فإن هذين المثالين يقدمان أدلة كافية لتفسير العديد من أخطائنا.

الأخطاء المعرفية وسلامة الدواء

تناولت APSF Newsletter بالتفصيل سلسلة من عمليات تبديل الأمبولات والقوارير في الولادات القيصرية، حيث تم سحب أمبول من حمض الترانيكساميك TXA عن طريق الخطأ وحقنها في السائل الدماغي الشوكي.7 قد يعتقد معظمنا أننا لن نرتكب مثل هذا الخطأ، ولكن نظرة سريعة على الأمبولات والقوارير “المتشابهة” التي تم تبديلها كفيلة بأن تجعلنا نتوقف للتفكير (الشكل 2). قد تقرأ شبكية العين والعصب البصري والقشرة البصرية الأمبولة بشكل صحيح على أنها حمض الترانيكساميك، لكن النظام 1 يكون في تلك اللحظة مشغولًا بتشغيل المخطط الذهني الخاص بـ “التخدير النخاعي”، وبالتالي يفترض أن الأمبول لا بد أن يكون بوبيفاكين؛ وهذا ما يُبلغ به النظام 1 ويتصرف بناءً عليه. كما هو الحال في الشكلين 1أ و1ب، لا يستطيع النظام 1 ألا يرى ما يتوقع أن يراه بناءً على النموذج الذهني الذي يجري تفعيله.

الشكل 2: مثال على القوارير المتشابهة، تم الحصول على إذن بالاستخدام من معرض القوارير المتشابهة التابع لمؤسسة APSF.‏ <a href="https://www.apsf.org/look-alike-drugs/">https://www.apsf.org/look-alike-drugs/</a>.

الشكل 2: مثال على القوارير المتشابهة، تم الحصول على إذن بالاستخدام من معرض القوارير المتشابهة التابع لمؤسسة APSF.‏ https://www.apsf.org/look-alike-drugs/.

ما الذي يمكننا فعله لتجنب الأخطاء طالما أن النظام 1 يعمل دون وعي؟ الجواب بسيط، إنشاء عملية آمنة لا يمكن للنظام 1 تقويضها. تقديم حمض الترانيكساميك (TXA) لاختصاصي التخدير في كيس تسريب، وليس في أمبولة أبدًا.7 إذ لا نملك نموذجًا ذهنيًا لحقن أكياس التسريب في السائل النخاعي. ويمكن اتخاذ خطوة إضافية بأن تقوم الصيدلية بتوريد البوبيفاكين فقط في محاقن NRFit جاهزة للاستخدام، والتي لا يمكن ربطها إلا بإبرة NRFit. تشمل التدخلات الآمنة الأخرى أنظمة إعطاء الدواء باستخدام الباركود، والتي تعتمد على العرضين البصري والسمعي لاسم الدواء؛ فاستخدام حاستين يوفر فرصتين لاكتشاف الخطأ قبل وقوعه. أما الحل الأقل تكلفة لكنه فعّال هو أن الممرض المتجول هو الوحيد المخول بسحب حمض الترانيكساميك (TXA) من خزانة التوزيع، وتتضمن العملية حظر توفير حمض الترانيكساميك (TXA) حتى اكتمال التخدير النخاعي أو فوق الجافية.

لسوء الحظ، فإن معظم آليات الإلزام الوقائي أو عمليات الأمان المضمونة تكون أكثر تكلفة ويصعب تنفيذها أكثر بكثير مقارنة بالاكتفاء بحثّ العاملين على “بذل جهد أكبر” (انظر الشكل 3). إضافة إلى ذلك، فإننا -كاختصاصيي تخدير- نميل إلى الاعتقاد بأن كلًّا منا “أفضل من المتوسط”، وأننا لا نحتاج إلى محاقن جاهزة للاستعمال، أو أدوية توفرها الصيدليات، أو أنظمة إعطاء الدواء باستخدام الباركود في غرفة العمليات. إذا تمكنا حقًا من أن “نكون حذرين”، أي أن نستخدم النظام 2 لمراقبة أفعالنا في كل خطوة من خطوات المخطط اللاواعي، لربما استطعنا تجنب الأخطاء تمامًا. لكن النظام 2 يتطلب جهدًا كبيرًا. إذا كان المرء في نزهة على الأقدام ثم طُلب منه تقديم الإجابة عن حاصل ضرب 27 ‏× 14، فسيتوقف ببساطة عن المشي؛ لأن لدى الإنسان مخزونًا محدودًا من الجهد؛ والجهود البدنية والعاطفية والذهنية جميعها تُستمد من المخزون نفسه. لا يمكن للمرء ببساطة أن يبذل جهدًا ذهنيًا مستمرًا لاستخدام النظام 2 في كل مهمة. ولحسن الحظ، فإن معظم آليات الأمان المضمونة أو آليات الإلزام الوقائي التي تهدف إلى تقليل الأخطاء الدوائية -رغم تكلفتها- ليست باهظة إلى حدٍّ يمنع تنفيذها. لقد أخبرنا مهندسو العوامل البشرية وخبراء سلامة الدواء لسنوات عديدة أن التدخلات التي تعتمد فقط على الجهد البشري غير فعالة.

الشكل 3: قوة التدخلات.<br />تم الحصول على إذن بالاستخدام من معهد ممارسات الأدوية الآمنة. <a dir="rtl" href="https://www.pslhub.org/learn/improving-patient-safety/human-factors-improving-human-performance-in-care-delivery/techniques/ismp%E2%80%99s-hierarchy-of-effectiveness-of-risk-reduction-strategies-r11989/" target="_blank" rel="noopener">https://www.pslhub.org/learn/improving-patient-safety/human-factors-improving-human-performance-in-care-delivery/techniques/ismp%E2%80%99s-hierarchy-of-effectiveness-of-risk-reduction-strategies-r11989/</a>

الشكل 3: قوة التدخلات.
تم الحصول على إذن بالاستخدام من معهد ممارسات الأدوية الآمنة. https://www.pslhub.org/learn/improving-patient-safety/human-factors-improving-human-performance-in-care-delivery/techniques/ismp%E2%80%99s-hierarchy-of-effectiveness-of-risk-reduction-strategies-r11989/

يجب علينا كمهنيين أن نتقبل أننا لسنا معصومين من الخطأ، وأن النظام 1 يشبه الفيل الذي يسير وفق عاداته، بينما النظام 2 يشبه القائد الذي يوجهه، وبذل الجهد وحده لا يكفي لإبقاء الفيل على المسار الصحيح. نحن بحاجة إلى مطالبة مستشفياتنا بتزويدنا بالأدوات التي تتجاوز مجرد “المحاولة بجدية أكبر”.

 

Joyce Wahr، ‏MD، أستاذة فخرية في كلية الطب، جامعة مينيسوتا، مينيابوليس، مينيسوتا.


تتقاضى Joyce Wahr، ‏MD حقوقًا مالية عن نشر كتابها Medication Safety in Anesthesia and the Perioperative Period.


المراجع

  1. Orser BA, Chen RJ, Yee DA. Medication errors in anesthetic practice: a survey of 687 practitioners. Can J Anaesth. 2001;48:139–146. PMID: 11220422.
  2. Veisi F, Salimi S, Mohseni G, et al. Accidental intrathecal injection of tranexamic acid in cesarean section: a fatal medication error. Case report. APSF Newsletter. 2010;25:9. https://www.apsf.org/article/accidental-intrathecal-injection-of-tranexamic-acid-in-cesarean-section-a-fatal-medication-error/ Accessed March 28, 2025.
  3. Arimura J, Poole RL, Jeng M, et al. Neonatal heparin overdose—a multidisciplinary team approach to medication error prevention. J Pediatr Pharmacol Ther. 2008;13:96–98. PMID: 23055872.
  4. Reason J. Human error. Cambridge University Press; 1990.https://doi.org/10.1017/CBO9781139062367.
  5. Kahneman, Daniel. Thinking, Fast and Slow. New York: Farrar, Straus and Giroux, 2011:499.
  6. Stiegler MP, Tung A. Cognitive processes in anesthesiology decision making. Anesthesiology. 2014;120:204–217. PMID: 24212195.
  7. Lefebvre PA, Meyer P, Lindsey A, et al. Unraveling a recurrent wrong drug-wrong route error—tranexamic acid in place of bupivacaine: a multistakeholder approach to addressing this important patient safety issue. APSF Newsletter. 2024;39:37–41. https://www.apsf.org/article/unraveling-a-recurrent-wrong-drug-wrong-route-error-tranexamic-acid-in-place-of-bupivacaine/ Accessed March 23, 2025.